صراع المشاريع أ. د. محمد طاقة

صراع المشاريع


                       أ. د. محمد طاقة


كان العراق العقبة الاساسية امام تنفيذ مشروع سايكس بيكو جديد الذي أُعدَ للمنطقة  برمتها ، وكانت امريكا تبحث عن حلفاء لمساعدتها لانجاح مهمة غزو العراق واحتلاله ، حلفاء من داخل العراق وحلفاء من الاقليم ودول الجوار وحلفاء من دول العالم . وفعلا تمكنت امريكا من ايجاد هؤلاء الحلفاء ولكن كان لكل منهم اجندته الخاصة للدخول في هذا الحلف والتخلص من النظام الوطني في العراق ، كون هذا النظام يتقاطع مع اجندة كل هؤلاء الذين يحيطون به أو الذين يعيشون معه في الداخل . فعلى مستوى الجوار كانت الكويت مهيأة تماماً ولاسباب معروفة لدى الجميع ، وكانت ايران هي الاخرى مستعدة للعب الدور ذاته ، والكيان الصهيوني لديه الرغبة الشديدة  تصل لحد الحلم لاضعاف العراق وتدمير قوته العسكرية المتنامية وقتل علمائه وتدمير بنيته الارتكازية وادخال العراق في حرب طائفية أهلية طويلة المدى حتى تكون في مأمن لعقود من الزمن .

أما على مستوى الداخل العراقي فأن الحزبين الكرديين هما ايضا لديهما نفس الاهداف لاسقاط النظام الوطني ، أما جنوب العراق فقد تم أستغلال حالة التخلف هناك والتأثير الطائفي المرتبط بالمرجعيات الدينية الايرانية  كان هو الاخر ذا تأثير كبير

على دخول البعض في مساعدة ومساندة امريكا لدخول العراق . ان كل هذه المجاميع على الرغم من التناقضات الكبيرة فيما بينها الا ان الذي كان يجمعهم هدف واحد الا وهو القضاء على المشروع القومي العربي والذي كان يحمل رايته العراق ونظامه الوطني .

يعلم الجميع أن منطقة الشرق الاوسط ،منطقة جيوبوليتيكية وفي غاية الاهمية ، وهي تمثل قلب العالم وشريانه الحيوي وعقدة مواصلاته ، والاهم من كل ذلك هو حاضنته من الطاقة بكل اشكالها الشمسية والنفطية والغازية وغيرها ،

وعلى وجه الخصوص النفط والغاز اللذان يمثلان اليوم شريان الحياة . ولذه الاسباب اصبحت المنطقة في صلب اهتمام جميع دول العالم وجزء اساسي من استراتيجيتها

وبالاخص امريكا . وبنفس الوقت هنالك ثلاثة مشاريع كبيرة اقليمية تتصارع على هذه المنطقة ولكل من هذه المشاريع تصوراته السياسية والدينية والتاريخية وان هذه المشاريع تتمثل بالمشروع الصهيوني المدعوم من قبل امريكا ، والمشروع الثاني الفارسي المغطى بغطاء الدين ، والمشروع الثالث هو المشروع القومي العربي الذي تبناه النظام الوطني في العراق وعمقه الحقيقي الامة العربية باجمعها . ومن خلال الواقع الملموس يتضح للجميع ان بين هذه المشاريع صراعاً عميقاً

وكبيرًا يكتنفه الكثير من الغموض وعدم وضوح الصورة عند الكثير من شعوب المنطقة بسبب التناقضات والتدخلات والتشويه والتضليل والكذب التي عاشتها المنطقة منذ عقود طويلة من الزمان ، فضلاً عن التداخلات التاريخية والدينية لهذه المنطقة تركت بظلالها على كل ما يجري حتى يومنا هذا .

ان كل ذلك خلق حالة من الارباك وحالة من الازدواجية لدى شعوب المنطقة بحيث لا يتمكن المواطن من معرفة المواقف الوطنية من المواقف غير الوطنية .

ان خلق  وتعميق الفوضى السياسية والفكرية  داخل مجتمعات الشرق الاوسط والتي اكثرها من صنع العوامل الخارجية فضلا عن العوامل الداخلية التي هي الاخرى تشكل مناخاً مناسباً وارضاً خصبة لتقبل وتمرير مثل هذه المخططات التي لا تخدم المصلحة الوطنية ولا الاقليمية ، فغياب التجربة عند الكثير من الانظمة القائمة  في هذه الدول مع غياب الوجود الايدولوجي الواضح ، مع عدم نضج الاحزاب السياسية المتواجدة عل الساحة وعدم قدرتها على فهم المتغيرات الكونية من حولها . كما الكثير من هذه الاحزاب تفتقد الى الوجود الايديولوجي أو البعض منها يرهن نفسه مع جهات اجنبية وينفذ مخططاتها كل ذلك جعل من الواقع الذي نعيشه نحن العرب على اقل تقدير مريراً جداً ومؤلماً جداً وصعباً ومعقداً .

وبناءً على ما تقدم ان الولايات المتحدة الامريكية وبعد هذه السنوات الطويلة بعد احتلالها للعراق وجدت ان النفوذ الايراني في العراق اصبح يشكل خطراً كبيراً على مخططاتها ومخططات المشروع الصهيوني في المنطقة ، حيث بدأ النفوذ المذهبي الموالي الى ايران يلعب دوراً خطيراً على المصالح الامريكية والاسرائيلية في العراق وان جميع الحكومات التي تشكلت في العراق وبجميع تشكيلاتها هي حكومات موالية لايران و تشكلها ايران.وما يحدث اليوم من احداث خطيرة في المنطقة ، بدأ الصراع بين الاخوة المتحالفين
(اسرائيل وايران) اي بين المشروع الصهيوني المدعوم امريكياً والمشروع الفارسي المغطى بغطاء الدين ، هذا الصراع عبارة عن صراع مصالح ونفوذ وهيمنة على المنطقة الغنية بمواردها المادية والبشرية واهمها ( النفط والغاز ) فالمشروع الصهيوني لا يقبل على الاطلاق امتلاك ايران على القنبلة النووية ، لان ذلك سيؤدي الى مد النفوذ الايراني على المنطقة على حساب النفوذ الصهيوني ، وهذا ما لاتقبله كل الدول العربية وبالاخص السعودية ومصر والاردن على الاطلاق وما لا تقبله ( اسرائيل )ايضا .
ان ايران الملالي من مصلحتها ان تفتعل المشاكل وعدم الاستقرار في المنطقة وذلك من خلال استخدام اذرعها المتواجدة في كل من لبنان ( حزب الله) والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن والنظام السوري
فجاءت احداث غزة في السابع من اكتوبر والذي ساهم فيها وقام بها ونفذها حماس احد اذرع ايران في فلسطين ، ورغم ماحققته هذه الاحداث من ايجابيات ولكن بنفس الوقت كانت على حساب تدمير غزة وقتل اهلها والاف من ابنائها واكثرهم من النساء والاطفال ، ولا زال الامر كارثيا وقد تعمد اسرائل على تهجير سكان غزة ، واحراج مصر والاردن زجهما في امور لايحمد عقباها .
ان هذا الصراع الخطير بين هذه المشاريع والذي يسود منطقتنا لا يخرج على الاطلاق الا من تحت عباءة امريكا والصهيونية العالمية والماسونية التي تدبر كل ما يجري في منطقتنا والمستهدف من كل ذلك هي امتنا العربية حاملة راية الاسلام الحقيقي . وان افضل من يقوم بتنفيذ هذه المهمة هم الفرس وملالي طهران وقم ، بدليل انهم تمكنوا من السيطرة على مقدرات العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين من خلال حماس وحتى في ليبيا  وبعلم ودعم غير معلن من قبل امريكا ( واسرائيل ) والصهيونية العالمية ، ان ايران اصبحت الطفل المدلل لدى من يقود تقسيم الامة العربية وطمس هويتها العربية ، ونلاحظ ان امريكا في حكم الديمقراطيين لا يسمحون ابدا من ظرب ايران وهذا حسب الاتفاق مع امريكا في عهد اوباما  .
ان ما يطفوا على السطح من وجود خلافات حادة بين امريكا وايران ما هي الا تكتيك يخدم استراتيجيتهم ، ولكن الخلاف الحاصل بين ( إسرائيل ) وايران هو خلاف وصراع بين مشروعين اتفقا ضد المشروع القومي العربي ولكنهم مختلفين حول الهيمنة على المنطقة والمشروعان متقاطعان تماما .
ففي الاونة الاخيرة شهد العالم تصاعداً في التوترات السياسية بين ايران والدول الغربية وبشكل خاص مع امريكا و ( اسرائيل ) وفي هذا السياق شهدت المنطقة ظهور ضربة ايرانية تحمل عناصر مسرحية ومضحكة في آن واحد وهي الضربة التي استهدفت منشآت عسكرية غير مأهولة بالسكان ، وقد اعتبر بعض المراقبين انها كانت محاولة من النظام الايراني للتبرير الداخلي وتغطية لفشله في مجال السياسة الخارجية . ومن جهة اخرى يثير الاتفاق المزعوم بين ايران وامريكا حول تنفيذ الضربة في وقت محدد وتحديد اهداف معينة تساؤلات كثيرة حول طبيعة هذا الاتفاق ودوافعه فيما اذا كانت هذه الضربة جزءاً من تفاهمات خفية بين الطرفين ام انها استجابة فعلية لازمة معينة .
وعند النظر الى الاثر السياسي لهذه الضربة يضهر بوضوح انها قد ساهمت في تغيير ديناميكية الساحة السياسية في إسرائيل خاصة بالنسبة لرئيس الوزراء نتنياهو فقد اتاحت له الفرصة لتعزيز مكانته الداخلية
والتي كانت مهزوزة كثيراً وكذلك مكانته العالمية وذلك من خلال توجيه الانتقادات الى النظام الايراني واستخدامها كمنصة للتعبير عن القوة والقدرة العسكرية الاسرائيلية ، واصبح من الصعب جدا فهم طبيعة هذا الصراع القائم في المنطقة كونه يحتوي على كثير من التعقيدات والمشاكل المتشابكة والمصالح المختلفة للدول المتصارعة وهو لا يخلو ايضا من تدخل الدول الكبرى والعظمى في هذا الصراع فهو
انعكاس للصراع القائم عل المستوى العالمي اي بين الصين ومحورها وامريكا ومحورها والكل يبحث عن مصالحه الخاصة وتحقيق اهدافه العامة ، فايران تلعب على جميع الحبال وحسب مصالحها ومشروعها التوسعي و( اسرائيل ) محسوبة على امريكا ومحورها والجميع لديهم علاقات مع الجميع ويعملون وفق مصالحهم  عدا نحن العرب لا نمتلك رؤية مستقبلية ولكوننا مجزئين . فالسؤال المهم هو هل ان المهمة المكلفة بها ايران من قبل الجهات التي نصبوها على الحكم أوشكت على الانتهاء أم بحاجة الى فترة اضافية ؟
فإذا اوشكت على نهايتها فستكون هذه نهاية النظام الايراني واذرعها ، وسيبقى الصراع قائما بين الامة العربية والكيان الصهيوني.